من غربة العودة إلى الإنتاج.. رحلة تمكين العائلات الفلسطينية في سورية الجديدة

مجموعة العمل – ظاهر صالح

بين شوارع وأزقة المخيمات التي لا تزال تحمل ندوب الحرب، وفي أزقة مخيم اليرموك وحارات مخيم الحسينية التي تستقبل عائلات عائدة من رحلة لجوء طويلة، تقف النساء الفلسطينيات أمام صعوبات وتحديات إنسانية جديدة، نتيجة الحرب والنزوح وإعادة بناء الحياة من نقطة الصفر، بعد سنوات من الغربة في لبنان والأردن، عدْن إلى مخيمات سورية حاملاتٍ أحلاماً صغيرة، ومشاريعَ بسيطة تشكل شريان حياة أسرهنّ في ظل غياب برامج دعم جادة.

لم تكن العودة إلى سورية مجرد انتقال مكاني، بل كانت ولادة جديدة في أرض تذكرهم بجذورهم، لكنها أيضاً أرض غيّرتها الحرب والأحداث وأرهقت اقتصادها.

هنا.. في المخيمات التي احتضنتهم مجدداً، وجدت النساء أنفسهن أمام معادلة صعبة، إما الاستسلام لليأس، أو صنع فرصتهن بأيديهن، اخترن الثانية، وبدأت حكايات التحدي تُكتب يوماً بعد يوم، على أنغام ماكينات الخياطة، ورائحة الحلويات، وأكياس الخضار في أسواق الحي.

مخيم سبينة.. غياب الدعم الأونروا

في مخيم سبينة، فتحت أم محمد (45 عاماً) مشغل خياطة صغيراً في غرفة لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار مربعة، تتحدث وهي تمسك بقماش تُخيطه وتُجهزه، عدت من لبنان قبل عام ونصف، أملك ماكينة خياطة صغيرة، هي كل ما تبقى من حياتي، هنا في سورية، بدأت بخياطة ملابس الجيران، ثم توسع العمل شيئاً فشيئا.

أم محمد واحدة من عشرات النساء اللواتي بدأن مشاريع صغيرة بأيديهن، في غياب تام تقريباً للدعم المؤسسي، تضيف: “الأونروا لا ُتقدم مساعدات مالية أو عينية، وتمويل المشاريع الصغيرة غير مدرج على جدول أعمالها هنا، الجمعيات والمؤسسات الفلسطينية تحاول لكن إمكانياتها محدودة”.

ويُشار إلى أن الأونروا كانت قد أنشأت دائرة الإقراض الصغير بهدف تزويد اللاجئين بفرص مستدامة لإدرار الدخل، ووفرت قروضاً موجهة للمشاريع النسوية المنزلية في مناطق عملها، لكن أثر هذه البرامج لم يصل بشكل فاعل إلى العائدين إلى سورية في ظل التقليصات، وبذريعة الأزمة المالية التي تعاني منها الوكالة.

في لبنان، حيث تقطعت السبل بآلاف العائلات الفلسطينية النازحة من سوريا، تعرضت المساعدات النقدية المقدمة من الأونروا لتخفيضات وصلت إلى 20 دولاراً للفرد شهرياً، ما دفع العديد من العائلات إلى اختيار العودة إلى سورية كخيار إجباري، وانعكاس ظروف الحرب في لبنان.

مخيم اليرموك.. التمسك بالأمل

في مخيم اليرموك الذي كان شاهداً على معاناة كبيرة خلال سنوات الحرب، افتتحت أم خالد (50 عاماً) معمل حلويات صغيراً بمساعدة من إحدى الجمعيات الخيرية. تقول: “كنت في الأردن، عملت في مطبخ أحد المطاعم هناك، عندما عدت إلى هنا، قررت أن أحوّل خبرتي إلى مشروعي الخاص”، تضيف وهي تجهّز قطعة من الحلويات، البداية كانت صعبة، لكنني تمسكت بالأمل، كل يوم أستيقظ مبكراً لأصنع الحلويات، وأوزعها على المحلات القريبة”.

تُروي أم خالد أن أيامها تبدأ قبل شروق الشمس، وتنتهي مع غروبها، لكنها لا تشكو، فابتسامة زبون أو كلمة شكر تكفيها لتستمر تضيف بحسرة: “لو وجدنا من يدعمنا لكان حالنا أفضل بكثير، لكننا نعتمد على الله ثم على أنفسنا”، وتشير إلى أن كثيراً من العائلات اختارت العودة إلى سورية بعدما وجدت في لبنان أو الأردن أوضاعاً معيشية قاسية، حيث يعاني اللاجئون الفلسطينيون من التمييز وارتفاع تكاليف الإيجار وصعوبة الحصول على فرص عمل، إضافة إلى غياب الحماية القانونية الكافية.

برامج خجولة

في هذا السياق، يؤكد المختص في شؤون اللاجئين الباحث عادل مرعي أن برامج التمكين الاقتصادي للنساء العائدات لا تزال خجولة، ولا تستجيب للاحتياجات الفعلية. يقول في حديثه لمجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية، وكالة الأونروا تتركز جهودها على المساعدات الطارئة والإغاثية، خاصة في ظل الأعباء المالية التي تعاني منها وكالة الأونروا في السنوات الأخيرة، أما مشاريع التمكين الاقتصادي فغائبة عن أولوياتها.

ويضيف المرعي: “المؤسسات الفلسطينية تحاول سد هذه الفجوة، لكن إمكانياتها محدودة، نحن بحاجة إلى برامج متكاملة تبدأ بتدريب النساء وتزويدهن بالمهارات، ثم توفير التمويل اللازم لمشاريعهن، وصولاً إلى متابعة هذه المشاريع وضمان استدامتها، ويشير إلى أن التمكين الاقتصادي لا يمكن فصله عن التمكين النفسي والاجتماعي، فالكثير من هؤلاء النساء يحملن جراح اللجوء والحرب معاً.

مخيم السيدة زينب.. مشروع يدعم أسرة بأكملها

أما في مخيم السيدة زينب، وجدت أم أحمد (38 عاماً) في صناعة المأكولات المنزلية مصدر رزق لعائلتها، تقول: “عدت من الأردن قبل عامين، زوجي مريض ولا يستطيع العمل، وأطفالي الخمسة بحاجة إلى كل شيء، بدأت بإعداد الطعام في المنزل وبيعه للجيران، ثم توسعت الفكرة إلى تقديم وجبات جاهزة”. تضيف بصوت يختلطه التعب والارهاق بالأمل: “أتمنى أن تجد جهة ما تتبنى فكرة دعمنا بقروض صغيرة أو معدات تساعدنا على تطوير عملنا”.

تشتكي أم أحمد من تكاليف المواد الأولية التي ترتفع بين الحين والآخر، مما يضغط على أرباحها البسيطة. لكنها تصر على الاستمرار، فهي تعلم أن توقف مشروعها يعني توقف حياة أسرتها بأكملها.

تمويل المشاريع الصغيرة

“تمويل المشاريع الصغيرة غير مدرج على جدول الجميع”.. هذه الجملة تتردد على لسان كل امرأة التقتها مجموعة العمل وكأنها حقيقة يلمسونها كل يوم.

مخيم الحسينية.. جوع الأطفال اهم من أي اعتبار

تقول أم هاني (42 عاماً) من مخيم الحسينية: “قدمت طلباً للحصول على قرض صغير من عدة جهات، لكن كل الردود كانت سلبية”. تضيف وهي تعد أكياساً من الخضار لعرضها في سوق الحي، “اضطررت لبيع بعض مصوغاتي لأشتري هذه البضاعة البسيطة، لا نريد صدقات، نريد فرصة عمل كريمة”.

تُعرب أم هاني عن استيائها من نظرة المجتمع أحياناً للمرأة العاملة، لكنها تؤكد أنها تجاوزت هذه النظرة، لأن جوع أطفالها أهم من أي اعتبار آخر. وتلفت إلى أن العوائق والصعوبات التي واجهتها في لبنان، حيث يعتبر العمل للاجئين الفلسطينيين مقيداً بشروط صارمة، كانت دافعاً إضافياً للعودة والبدء من جديد على أرض سورية.

في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها سورية، تبدو حاجة النساء الفلسطينيات العائدات إلى برامج دعم اقتصادي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، هؤلاء النساء لم يأتين إلى سورية بحثاً عن رفاهية، بل بحثاً عن أمان نسبي في بلد كان يوماً ملجأً للفلسطينيين، لكن الحرب جعلت منه أرضاً تحتاج إلى إعادة بناء شاملة.

تحسين مستوى معيشة الأُسر

تؤكد المستشارة في شؤون المرأة الفلسطينية ليلى الحسين أن تمكين النساء اقتصادياً هو المدخل الحقيقي لإدماجهن في المجتمع وتحسين مستوى معيشة أسرهن”. تضيف: “التجارب الفردية التي نراها اليوم هي شهادة على إرادة قوية، لكن هذه الإرادة تحتاج إلى دعم ملموس يترجم إلى مشاريع حقيقية، لا إلى وعود تتبخر مع مرور الوقت”.

إن قصص أم محمد وأم خالد وأم أحمد وأم هاني ليست مجرد حكايات نجاح فردية، بل هي مرآة تعكس واقع آلاف الأسر الفلسطينية التي تعيش على حافة الأمل، هؤلاء النساء أثبتن أن الإرادة يمكن أن تصنع المعجزات، لكن الإرادة وحدها لا تكفي. ما تحتاجه هذه المشاريع الصغيرة هو رعاية تحتضنها، وتمويل يغذّيها، وسوق يفتح ذراعيه لها.

فهل تلتفت الجهات المعنية إلى هذه الإمكانيات والطاقات البشرية المهملة؟ وهل تدرك الجمعيات والمؤسسات أن استثمار قروش قليلة اليوم في مشروع امرأة فلسطينية، يعني توفير لقمة عيش لعائلة بأكملها غداً؟ الأسئلة كثيرة، والانتظار يطول، والنساء يواصلن العمل بين الركام، ينتظرن من يمد لهن يد العون، لا يد الصدقة، بل يد الفرصة العادلة التي يستحقها كل إنسان.

في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سورية، تواصل النساء الفلسطينيات كتابة حكايتهن بخيط وإبرة، أو بطبق حلويات، أو بكيس خضار، حكايات لا تبحث عن شهرة، بل عن حياة كريمة تتخلص فيها من العوز وطلب المعونة وتحافظ على كرامتها.

الأخبار والمقالات ذات صلة

Share