وليد الخالدي المؤرخ الذي حول الذاكرة إلى سؤال وجودي

نضال الخليل ـ مجموعة العمل
حين نتساءل عن معنى كتابة التاريخ يُطل اسم وليد الخالدي ليس كمؤرخ محايد إنما كمفكرٍ يجعل من فعل التأريخ نفسه سؤالاً أخلاقياً سؤالاً عن الوجود والغياب وعن الكيفية التي يكتب بها شعب ماضيه في وجه قوى تريد له أن يكون بلا ماض، بلا ذاكرة، بلا حضور في سجلات الوجود الإنسانية
لقد وُلد في القدس عام 1925 داخل عائلة عريقة لكن الكارثة الكبرى التي واجهها منذ شبابه المبكر لم تكن مجرد تحول سياسي في وطنه لكنها تحول وجودي في وعيه
في عام 1948 حدث ما يسميه الفلسطينيون النكبة عندما فُقدت الأرض والمكان وتحول التاريخ إلى حقل صراع بين من يكتب ويُنسى ومن يكتب ليبقى
في هذا السياق لم يكن الخالدي مجرد مؤرخ يوثق الأحداث لكنه كان حارساً للذاكرة رقيباً على سؤال الوجود الفلسطيني في مواجهة محاولة المحو التي تُمارس في عدد من الساحات:
– في الوعي، في السياسة وفي خطاب العالم الأكبر

لقد أدرك الخالدي أن محاربة الذاكرة ليست أقل فتكاً من محاربة الجغرافيا وعليه كتب ليس مجرد تاريخ جامد عن أماكن اختفت إنما عن جوداتٍ كانت تعيش وتتحرك وتتنفس على تلك الأرض التي صار السرد فيها ساحة مقاومة
في كتابه الشهير الذي صدر في أوائل التسعينيات وعرفه كواحد من أهم مشروعات الكتابة الفلسطينية وثق القرى الفلسطينية التي دُمرت بأسمائها وجيرانها ومزارعها ومعالمها الاجتماعية والثقافية حتى بدا النص نفسه فسيفساء مكانية ضد محاولات الإلغاء
هذا التوثيق لا يكتفي بتسجيل ما حدث لكنه يقرأ التاريخ من منظور الحياة اليومية للشعب الفلسطيني ويُعيد الاعتبار لما كاد أن يتحول إلى فراغ في الذاكرة الجماعية لقد جعل من التوثيق فعلاً مقاومياً لأن من يكتب ما كاد أن يُنسى يكتب وجوده في العالم ويمنع فعل النسيان من أن يكون النهاية
وليد الخالدي لم يكتف بفعل الكتابة وحده وإنما أسس مع آخرين مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت عام 1963 والتي أصبحت مرجعاً أساسياً في بحث القضية الفلسطينية وتوثيقها
ذلك المشروع المؤسسي اتخذ من المعرفة ساحة لا تُقتصر على مجرد تجميع الوثائق بل على صنع خطاب نقدي يُقاوم محاولة التزييف والتشويه التي تمارس ضد فلسطين وشعبها وفي هذا المعنى كان الخالدي يُعيد تعريف المعرفة ليس كأداة تحليل فحسب لكن كفعل سياسي ثقافي يمسك بزمام الذاكرة ويمنحها قدرة على الصمود
إن المكان الذي دُمر جسدياً لم يغب عن وعيه لكنه صار دافعاً لخلق مكان آخر في النص وفي الذاكرة الجمعية وفي خطاب المؤمن بحق الوجود والاعتراف
يتسم خطاب الخالدي بمعرفة تتجاوز الرغبة في سرد الأحداث فهو يضع التاريخ في قلب سؤالٍ أكبر:
– كيف نكتب ما لا يريد الآخر أن يُروى؟
– كيف نمنح صدى لمن عاش ولم يعد؟
– ما الفرق بين السرد والتوثيق؟
– ومتى يتحول الاكتمال في الكتابة إلى نوع من العدالة الرمزية أمام القوى التي تريد إلغاء الوجود؟
إن التاريخ عند الخالدي ليس حدثاً منتهياً في الماضي لكنه سلسلة من الأسئلة المتواصلة التي تُعيد قراءة الوجود الفلسطيني في حاضره ومستقبله
وهنا تتلاقى كتاباته مع روح نقدية تبطل أي وصف أحادي للحقيقة وتفتح آفاقاً لفهم متعدد الأبعاد للسرد وللمكان وللزمن.
في الثامن من آذار عام 2026 رحل وليد الخالدي في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة الأمريكية عن عمر ناهز المئة عام لقد ترك وراءه إرثاً معرفياً لم يقتصر على كتب ومؤلفات فحسب لكن على سؤال عن الوجود وعن فعل المقاومة عبر الذاكرة والمعرفة
إن رحيله ليس نهاية تاريخٍ مكتوب إنما انتقال من فعل التأريخ إلى فعل الوجود في ذهن القارئ الباحث والساعي نحو الحقيقة
ترك لنا درساً أساسياً: أن الذاكرة الحقيقية ليست تلك التي تحفظ الوقائع وحسب لكن تلك التي تُعيد تشكيل الوعي وتفتح مجالاً للحوار مع الماضي وتمنعه من الانصراف إلى الصمت
رحيل الخالدي يجعلنا ندرك أن كتابة التاريخ ليست مجرد فعل تدوين لكن هي فعل مقاومة وجودية في وجه قوى النسيان وأن الذاكرة ليست مجرد مخزون من الصور والأسماء بل صيرورة مستمرة في وعي الأجيال التي تلي من كتبوا لتظل فلسطين حقيقية في الذاكرة الإنسانية.

الأخبار والمقالات ذات صلة

المشاركة